26
ابريل
2019
كتلة .. وفراغ
نشر منذ 3 شهر - عدد المشاهدات : 115

عشتار الاخبارية _ عبير خالد


 تئن الأرض بحمولاتها, وأكاد أسمع فرقعة تصدّعاتها
أول خاطر تبادر إلى ذهنها حينما أرسل زميلها على مجموعة الدردشة التي جمعت أصدقاء وصديقات دفعتهم بالجامعة صورة لحديقة منزله في النمسا, كان الحنين إلى حضارات الماضي قد أخذ منه مآخذ كثيرة, جعلته يتمثّل في حديقته الصغيرة تلك أنموذجاتٍ عديدة, قام بتشييدها على أرض الحديقة الواسعة, هنا أعمدة تدمر, تقابلها أعمدة أفاميا, وهناك, في الركن الأيمن, صحن المسجد الأموي, وفي وسطه المسجد الأقصى, ويفكر في تشييد حدائق بابل في الركن الأيسر, وربما - لو توفر المال- سيقوم بهدم المسبح ليبني مكانه مسرح بصرى الشام! أما البيت من الداخل, فكان أنموذجًا رائعًا للبيت الدمشقي القديم, بالنافورة الكبيرة ذات الشكل المثمن والمجمّل بالموزاييك أوالفسيفساء, والتي تتوسط صحن الدار, أمام الإيوان الذي يتخذ شكل مربع مفتوح الضلع باتجاه صحن الدار, مشغول بثلاثة خوانات طويلة تستند على جدرانه الثلاث, عليها الوسائد والمتكآت المريحة, وأمام الخوانات طاولة خشبية كبيرة منحوتة ومزخرفة بفن الأرابيسك الدمشقي على الطراز العربي الإسلامي القديم, الذي يدخل فيه الصدف كمكوّن أساسي, عليها ما لذّ وطاب من الفواكه والحلوى, باستعداد دائم لاستقبال الضيوف, بيد أن الدار ليس مفتوحًا على السماء و شمسها وقمرها ونجومها كما هو الحال في الدور الدمشقية القديمة حقيقة, وإنما محجوبة عنهم بسقف من بلور سميك ومقاوم, لا يمنع ضوء الشمس, كما لا يمنع رؤية السماء وكل ما يسكن فيها, إلا إذا سقط الثلج عليه وتراكم بطبقات سميكة, وهو حال شبه مستمر في ذلك البلد الذي يتسلّم فيه الثلج مقاليد السلطة والسطوة لفترة طويلة من السنة...
التفرّس في تلك الصورة جعلها تنظر فيما حولها, لتجد المكان مزدحمًا جدًّا, أثاث البيت يستر الأرض, فلا يكشف منها إلا مساحة العينين عند منتقبة, ولولا أنها حفظت جغرافية المكان أخيرًا لتعثرت بالكثير من الكنب والكراسي والطاولات, وقد بقيت ألوان الأزرق والأخضر والأصفر إلى وقت ليس ببعيد تبقّع مناطق من جسدها, تشهد على إقدام إحدى قطع الأثاث على ضربها ضربة مباغتة, حاسبة نفسها ريشة رسم توتّر إيقاعها فجأة, يحدث ذلك كثيرًا عندما تتبختر إحدى الكراسي في أحد الممرات الضيقة والمعتمة, شاردة عن مكانها, لتستقر منسيّة أمام مُعلَّقة على الحائط, حاول صغيرها الوصول إليها والعبث بها... 
سقوط الصغير عن السرير أثناء تقلبه وهو نائم, وانبعاث صوته باكيًا, تسمعه بالترافق مع صوت الأرضية التي يباغتها الارتطام فتجفل وتصرخ حانية ومتألمة في آن واحد( حماك الله أيها الصغير).
استيقظ فيها حلم قديم, فبادرت إلى تنفيذه, مع أنها كانت تدرك سلفًا عواقب ردود الأفعال من المحيطين, استغلت فرصة غياب الزوج في سفر قد يطول, واستدعت ورشة عمل رفضتْ بالبداية تنفيذ ما طلبتْه منها, لكنها بمقابل المال نفّذتْ, بعد أسابيع قليلة كانت أرضية البيت قد تحرّرت من استعمار الكراسي والكنب والأسرّة وباقي القطع الثقيلة, وانتشرت على جوانبها المراتب الخفيفة, التي كانت مسنودة قبلًا إلى الأسرّة والكنب, براح كبير تجلّى في أفق كل من يدخل البيت, يبدأ من المدخل ماسحًا كل الأركان والغرف, لم تعد الأرض تئن, والصغير في مأمن من السقوط, وإن حدث؛ فمن ارتفاع بسيط لا يتجاور بضعة سنتيمترات, هي ارتفاع المرتبة, أو التعثر البسيط أثناء الركض واللعب...
تسترخي في فراشها, تنظر إلى السقف الذي امتلأ بأشياء مقلوبة, تضحك, تقول في سرّها
_ "
سيكون لزامًا على زوجي أن يتخلّص من الكنب والكراسي والأسرّة المثبتة في السقف, سيخاف من سقوطها, لكنها أبدًا لن تعود لتزحم الأرض!


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
تابعنا على الفيس بوك
التوقيت الان

استطلاع رأى

هل ينجح عادل عبدالمهدي في تشكيل حكومة تنال رضا الشعب ؟؟

3 صوت - 23 %

5 صوت - 38 %

0 صوت - 0 %

عدد الأصوات : 13

أخبار
عداد الزوار
Flag Counter
تابعنا على اليوتيوب
Hello!
حالة الطقس
تصفح موقعنا القديم